تونس 22°C

30 أفريل 2026

تونس 38°C

30 أفريل 2026

الخير والشر.. حقيقة الإنسان بين الامتحان والاختيار.

بقلم الامام محمد بن حمودة

الإنسان ليس خيرًا محضًا ولا شرًا خالصًا، بل هو مزيجٌ من النور والظلمة، يحمل في داخله الاستعداد لكلا الاتجاهين، لكن الامتحان الحقيقي يكمن في الاختيار. فليس الخير أن تكون عاجزًا عن الشر، بل أن تملك القدرة عليه ثم تعصم نفسك عنه.

يقول الله تعالى:
“وهديناه النجدين” (البلد: 10)
أي أننا وُهِبنا طريقين: طريق الخير وطريق الشر، لكن القرار في النهاية بيد الإنسان، وهو الذي يحدد جوهره من خلال خياراته.

يؤكد أفونسو كروش هذه الحقيقة عندما يقول:
“لا أستطيع أن أقول عن إنسان أنّه طيب إلا إذا كان لديه القدرة على فعل الشر ولم يفعل.”
وهذا المعنى تجسده القصة القرآنية لإبليس، الذي لم يكن مجرد كائن شرير منذ البداية، لكنه اختار الكبر والتمرد حين أُعطي حرية القرار، فكان مصيره الطرد من رحمة الله.

أما نيتشه، فيسخر ممن يظنون أنفسهم أخيارًا فقط لأنهم لم يُختبروا بالمواقف التي تتيح لهم الشر، فيقول:
“لطالما ضحكتُ من الضعفاءِ الذين يظنون أنفسهم أخيارًا لأن ليس لديهم مخالب.”
وفي هذا إشارة إلى أن الفضيلة الحقيقية لا تأتي من الضعف، بل من القوة المروّضة، من القدرة على الظلم مع اختيار العدل، من امتلاك المخالب مع الإحجام عن التوحش.

وهذا هو جوهر التقوى في الإسلام، حيث يقول النبي ﷺ:
“المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله” (رواه الترمذي).
فليس الخير أن تكون في بيئة آمنة لا تتيح لك الانحراف، بل أن تواجه الإغراءات والفرص، ثم تخرج منها ثابتًا على المبادئ.

كما أن القرآن يوضح هذه الحقيقة في قصة يوسف عليه السلام، حيث يقول الله على لسانه:
“وإلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن وأكن من الجاهلين” (يوسف: 33)
يوسف لم يكن معصومًا من الرغبة، لكنه امتلك الخيار، فاستعان بالله ليصرفه عن طريق الشر.

إذًا، قيمة الإنسان لا تتجلى في افتقاره للمخالب، بل في ضبطه لها، في كونه قادرًا على الظلم لكنه يختار العدل، قويًا لكنه يختار الرحمة، قادرًا على الانتقام لكنه يعفو. هنا فقط يصبح الإنسان إنسانًا بحق.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية