تونس 19°C

1 ماي 2026

تونس 38°C

1 ماي 2026

عالم جديد ، تحت سيطرة ثلاثي القوة : بوتين، ترامب ، وشي بينغ.

بقلم – ا. حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

يبدو أن العالم اليوم يعيش في قبضة ثلاثي غير مسبوق في تأثيره .
يجمع هذا الثلاثي بين الطموح الجامح واستحضار الماضي الذهبي ليشكلوا واقعًا جديدًا يتحدى القوانين الدولية.
فلاديمير بوتين، شي جين بينغ، ودونالد ترامب، زعماء يمثلون قوى متباينة جغرافيًا وأيديولوجيًا، لكنهم يتشاركون رؤية موحدة : إعادة بناء امبراطورياتهم القديمة وفرض هيمنتهم على الداخل والخارج .
في قلب هذه الرؤية المشتركة يكمن خطاب الماضي الذهبي، الذي يستخدم كوسيلة لتبرير الهيمنة.
شي جين بينغ يبشر بـ”الحلم الصيني”، الذي يسعى إلى إعادة الصين كقوة عظمى عالمية، متجاهلًا التحديات الاجتماعية والاقتصادية الداخلية.
بوتين، من جانبه، يسترجع أمجاد الاتحاد السوفييتي، متحسرًا على تفككه ويطمح لإعادة بناء “روسيا العظمى”، حتى ولو كان ذلك على حساب سيادة الدول المجاورة مثل أوكرانيا.
أما ترامب، فإنه يعيد رفع شعاره “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا”، مستحضرًا فترة الهيمنة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن هذا الحنين الى الماضي لا يقتصر على الخطاب، بل يتحول إلى سياسات توسعية صارخة.
بوتين يستخدم القوة العسكرية لفرض رؤيته، بينما شي يعتمد على النفوذ الاقتصادي والجيو سياسي، مستغلًا فائض التجارة الهائل لتعزيز وجود الصين عالميًا.
وترامب، رغم تفضيله أساليب أقل عنفًا، لم يتردد في التعبير عن رغبات توسعية واضحة، مثل تصريحاته المثيرة حول “حق السيطرة” على كندا وقناة بنما.
ما يجمع هؤلاء الثلاثة ، ميلهم لتكريس مفهوم القومية المتطرفة والتوسعية على حساب جيرانهم.
بوتين يستخدم الفوضى كأداة لتقويض استقرار الدول المجاورة، بينما يعمل شي جين بينغ على الهيمنة الاقتصادية وفرض الأمر الواقع في نزاعات إقليمية، مثل بحر الصين الجنوبي وتايوان.
ترامب، بدوره، يعبر عن رؤى مشابهة، حيث يسعى إلى ترسيخ النفوذ الأمريكي بطرق غير تقليدية، مثل محاولة شراء غرينلاند.
هذه السياسات التوسعية ليست مجرد تعبير عن طموحات فردية، بل تجسد فلسفة راسخة : الأقوى يفرض إرادته على الأضعف. هذا النهج يقود إلى عالم مضطرب، حيث تتحول الدول الصغيرة إلى بيادق في لعبة الكبار .
إلى جانب طموحاتهم التوسعية، يتقاطع ثلاثي القوة في ازدرائهم الصريح للقوانين الدولية. فمنذ توقيع الوثيقة الصينية-الروسية في عام 2022، يعمل بوتين وشي على إعادة صياغة النظام الدولي بما يخدم مصالحها بلديهما ، متجاهلين الاتفاقيات الأممية.
أما ترامب، فرغم انتمائه إلى الديمقراطية الغربية، يشاركهما هذه النظرة، إذ يقلل من أهمية التحالفات الدولية مثل الناتو ويركز على المصالح الاقتصادية البحتة.
هذا النهج يقوض الأسس التي بُني عليها النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت العدالة الدولية مجرد شعار في مواجهة القوة المفرطة.
في ظل هذا التحالف غير المعلن بين بوتين، شي و ترامب، تجد بقية الدول نفسها في موقف دفاعي، تحاول الحفاظ على بعض خصوصياتها لا سيما تلك المتعلقة بالقيم والديمقراطية.
لكن هذا الدور يواجه تحديات هائلة، حيث تتعرض هذه الدول لضغوط اقتصادية وأمنية متزايدة تجعل من الصعب عليها التصدي لطموحات هذا الثلاثي.
مع ازدياد النفوذ السياسي والاقتصادي لهذا الثلاثي، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة تتسم بالفوضى وغياب القوانين.
ما نشهده هو تحول جذري في ميزان القوى الدولية، حيث يتراجع القانون لصالح القوة. بينما يحاول بوتين وشي وترامب إعادة رسم خريطة العالم بما يخدم مصالح بلدانهم ، يبقى السؤال الأساسي: هل يستطيع العالم الصمود أمام هذا المد التوسعي، أم أننا على أعتاب حقبة جديدة من الاضطراب الدولي؟ .
إن ما يميز هذه الحقبة ليس فقط صراع القوى الكبرى، بل تراجع المبادئ التي لطالما شكلت أساس النظام العالمي.
وربما تكون الفرصة الوحيدة لإعادة التوازن هي ظهور قوى جديدة قادرة على مواجهة هذا التحالف غير المعلن .
لكن حتى ذلك الحين، يظل العالم رهينة ثلاثي القوة الذي يفرض إرادته بلا قيود.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية