-ابوبكر الصغير.
ليس العداء الإيراني لدول الخليج تفصيلا عابرا في سجلّ العلاقات الإقليمية ، بل هو مفتاح لفهم سلوك نظام بنى نفوذه على فكرة التمدّد في الفراغ، لا على التعايش مع الدول المسالمة المستقرة .
فمنذ انتصار الثورة بقيادة آية الله الخميني ، لم تُخف طهران طموحها في “ تصدير الثورة ”، وهي عبارة لم تكن مجازا سياسيا بقدر ما كانت خطّة و اجندة و برنامج عمل ، سرعان ما تُرجم إلى تدخلات سافرة مباشرة وغير مباشرة في عدد من الدول العربية .
في دول مثل العراق و سوريا و لبنان و فلسطين و اليمن الخ …. ، لم يكن الحضور الإيراني دعما بريئا لقضايا محلية ، بل مشروعا متكاملا لاختراق الدولة الوطنية .
استغلت طهران هشاشة هذه البلدان ، فتسللت إلى مفاصلها ، وأنشأت داخلها منظومات موازية : ميليشيات مسلحة ، شبكات إعلامية ، مؤسسات اجتماعية ، ومدارس عقائدية . وهكذا نشأت “ دولة داخل الدولة ”، ومجتمع مواز يُعاد تشكيل وعيه على أساس الانتماء الطائفي لا الوطني .
لم يكن الهدف تحريرا ولا نصرة للعرب، كما يُروَّج ، بل إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية وفق رؤية أيديولوجية تجعل الولاء للمشروع الإيراني يتقدم على الولاء للأوطان .
وقد كانت النتيجة كارثية : مجتمعات ممزقة من الداخل ، دول ضعيفة ، وصراعات داخلية تضع أبناء البلد الواحد في مواجهة بعضهم البعض ، تحت شعارات “ المقاومة ” و“ الشهادة ” التي تحولت إلى أدوات تعبئة لخدمة مشروع خارجي .
لكن، في مقابل هذا النجاح النسبي في دول تعاني من هشاشة بنيوية ، اصطدمت إيران بجدار صلب في دول الخليج . هنا يكمن سر كلّ هذا العداء الحقيقي .
لقد فشلت كل محاولات الاختراق . لم تنجح طهران في تفكيك الدولة ، ولا في خلق كيانات موازية ، ولا في زرع الفوضى كما فعلت في أماكن أخرى .
ورغم محاولات متكررة لزعزعة الاستقرار، بقيت هذه الدول متماسكة ، قادرة على حماية قرارها السياسي ، وصون نسيجها الاجتماعي .
السبب ليس صدفة ، بل يعود إلى طبيعة النموذج الخليجي نفسه .
فدول الخليج لم تُبنَ على هوية ضيقة أو أيديولوجيا مغلقة ، بل على مفهوم حديث متطور للدولة : مؤسسات قوية ، اقتصاد ديناميكي ، انفتاح على العالم ، وتسامح ديني واجتماعي .
هذا النموذج خلق مجتمعات متصالحة مع ذاتها ، تنتصر لكرامة المواطن ، تستوعب التعدد ، وتمنح الأفراد فرصا للحياة الكريمة ، بعيدا عن خطابات التعبئة والانقسام .
هنا تحديدا يكمن التناقض الجوهري :
مشروع إيران يقوم على الاستثمار في الانقسام ، بينما يقوم المشروع الخليجي على إدارة التنوع و التعدد .
إيران تحتاج إلى مجتمعات مأزومة لتتغلغل فيها ، بينما ينجح الخليج في تقليص الأزمات في الداخل قبل أن تتحول إلى ثغرات .
ولذلك، فإن عداء طهران للخليج ليس مجرد خلاف سياسي أو تنافس إقليمي ، بل هو صراع بين خطين و نموذجين لا يلتقيان :
نموذج الدولة الوطنية المستقرة ، ونموذج “ الدولة الموازية ” التي تعيش على إضعاف الآخرين .
لقد بقي الخليج عصيا ، لا لأنه خارج الجغرافيا ، بل لأنه خارج منطق الفوضى الذي تعتاش عليها مشاريع التمدد . لم تستطع إيران أن تخطف قراره ، ولا أن تعطل مسيرته الاقتصادية ، ولا أن تفكك مجتمعاته ، رغم كل المحاولات .
وهذا الفشل تحديدا هو ما يغذي عداءها أكثر من أي سبب آخر .
في النهاية، يمكن القول إن المشكلة لم تكن يوما في “ حب إيران للعرب ” أو “ نصرتها لهم ”، بل في طبيعة مشروعها التخريبي نفسه .
فحين يكون نفوذك قائما على انهيار الآخرين و تدمير مجتمعاتهم ، فإن أي نموذج ناجح ومستقر يتحول تلقائيا إلى تهديد وجودي لك. وهذا ما يمثله الخليج اليوم : فكرة أن الدولة يمكن أن تكون قوية ، منفتحة ، ومتوازنة … دون أن تحتاج إلى الفوضى لتثبت حضورها.

