تونس 26°C

11 أفريل 2026

تونس 38°C

11 أفريل 2026

حين تُصاغ الهزيمة كأنها انتصار : من بغداد إلى طهران .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

في تجارب سياسية استثنائية عرفها الشرق الأوسط الحديث ، لا تكمن المعضلة الأساسية في الخسارة العسكرية بحد ذاتها ، بل في الكيفية التي يُعاد بها تعريف هذه الخسارة داخل الخطاب الرسمي للنظام .
فبدل أن تُواجَه الهزيمة باعتراف صريح أو مراجعة عميقة ، يجري تفكيك معناها وإعادة تركيبها : تتحول إلى “ صمود ”، ويُعاد تقديم الانكسار بوصفه “ انتصارا مؤزرا ”، ويُكسى التراجع بلباس “ الحكمة الاستراتيجية ”.
هذا ليس مجرد تلاعب لغوي عابر ، بل هو منطق حكم متكامل ، تتقدّم فيه السردية على الواقع ، ويغدو فيه الخطاب بديلا عن الفعل ، والرمز بديلا عن القوة .
هنا تحديدا لا تُدار السياسة بالنتائج ، بل بالتأويل ، ولا تُقاس القوة بما يتحقق على الأرض ، بل بما يُقنع به الداخل .
في العراق خلال عهد صدام حسين ، تجلّى هذا المنطق بوضوح عقب حرب 1991 . فقد انتهت الحرب بخسائر عسكرية فادحة وانسحاب واسع ،غير أن الخطاب الرسمي أعاد صياغة المشهد باعتباره ” نصرا”.
لم يكن ذلك استنادا إلى معايير السيطرة أو ميزان القوى ، بل إلى معيار واحد : بقاء النظام واستمرار صورته .
وهكذا تغيّر تعريف النصر نفسه ، فلم يعد مرتبطاً بنتائج الحرب ، بل بقدرة السلطة على النجاة وإعادة إنتاج خطابها رغم الانهيار .
غير أن التحول الأعمق لا يكمن فقط في تزييف الوقائع ، بل في نقل مركز الثقل من الدولة إلى السردية .
فالدولة، في معناها الحقيقي ، تُقاس بقدرتها على الإنتاج والحماية والتنمية . أما حين يُستبدل ذلك بخطاب يفسّر كل خسارة بوصفها “ تكتيكا ”، وكل تراجع باعتباره “ مرحلة في مسار أطول ”، فإن الخطاب لا يواكب الدولة، بل يحلّ محلها .


في السياق الإيراني اليوم ، و منذ قيام النظام بقيادة آية الله روح الله الخميني، يتكرر نمط قريب في تأويل الخسائر .
فحين تتعرض أدوات النفوذ أو منظومات الردع لانتكاسات ، لا تُقرأ بوصفها خللا في ميزان القوة ، بل يُعاد إدراجها ضمن سردية “ الصمود ” و” الاستنزاف الطويل ”.
وهكذا تُنقل المعركة من أرض الواقع إلى فضاء رمزي مفتوح على التأويل ، حيث لا تُقاس النتائج بما يحدث ، بل بما يُقال عنه .
في هذا الإطار ، تصبح الهزيمة قابلة للتأجيل المفاهيمي : لا تُنفى بالكامل ، لكنها تُفرغ من معناها . تتحول من علامة ضعف إلى “ اختبار ”، ومن مؤشر تراجع إلى “ مرحلة ” في طريق نصر مؤجل ، غير مرئي ، ولا يخضع لأي معيار قياس واضح .
لكن لهذا التحول كلفته البنيوية . فكلما ازداد الاستثمار في الخطاب على حساب المؤسسات، وفي الرمزية على حساب الاقتصاد، وفي التعبئة على حساب التنمية، اتسعت الفجوة بين الصورة والواقع . ومع الزمن ، لا يعود الخطاب قادرا على تغطية هذا التآكل ، بل يغدو جزءاً منه .
وهنا تتجلى المفارقة القاسية : كلما اشتدت صلابة الخطاب ، ازداد الواقع هشاشة . فالقوة المبنية على السردية وحدها تحتاج إلى تضخيم دائم، وإعادة تعريف مستمر للنجاح ، حتى لا تنهار تحت وطأة الحقائق .
إن أخطر ما في هذا النمط ليس الهزيمة ذاتها ، بل القدرة على إقناع الداخل بأنها لم تقع ، أو أنها وقعت بمعنى مختلف تماماً. وعندما تُطمس الحدود بين الواقع وتأويله، تتحول السياسة من إدارة للوقائع إلى إعادة كتابة مستمرة لها .
في النهاية، لا تُهزم الدول فقط في ميادين المعارك و القتال، بل في قدرتها على تسمية ما يحدث لها بوضوح .
فالتاريخ لا يعاقب من يخسر الحرب فحسب، بل من يُصرّ على تحويل الخسارة إلى انتصار لغوي دائم ، حتى تفقد الكلمات معناها، ولا يبقى سوى صمت الوقائع … صمتٌ قاسٍ لا يقبل التأويل.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية