تونس 27°C

2 جوان 2026

تونس 38°C

2 جوان 2026

حين افتتحت إفريقيا نفسها من الرباط .

بقلم ا. حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يكن افتتاح كأس أمم إفريقيا في الرباط مجرّد لحظة رياضية عابرة ، بل كان إعلانا رمزيا عن دخول القارة في زمن الاحتفال بذاتها .
تحت الرعاية الملكية، ومن قلب العاصمة المغربية ، أشرف ولي العهد الأمير مولاي الحسن على انطلاق البطولة ، في مشهد مهيب تحوّل فيه ملعب الأمير مولاي عبد الله إلى مسرح إفريقي مفتوح ، تتعانق فيه الكرة مع الذاكرة ، والفرح مع الهوية ، والشغف مع روح القارة .
منذ اللحظة الأولى، بدا واضحا أن ما يُقدَّم يتجاوز منطق البروتوكول وشكلية الافتتاح .
كان المشهد لوحة وطنية متكاملة، صيغت بعناية ودقّة ، واستحضرت تاريخا طويلا من التفاعل بين الرياضة والثقافة.
حضور جماهيري كبير ، إيقاع نابض بالحماس، وأجواء احتفالية جعلت من الافتتاح حدثا فنيا رائعا بامتياز، بما يؤكد أن المغرب يرى في كأس أمم إفريقيا حدثا حضاريا بقدر ما هو رياضي ، ورسالة انتماء إفريقي راسخة لا لبس فيها.
العروض الفنية التي تعاقبت على أرض الملعب لم تكن استعراضا زخرفيا ، بل سردا بصريا لهوية متعددة الروافد.
من الإيقاعات الشعبية العميقة الجذور، إلى اللوحات البصرية الحديثة ، تشكّل انسجام لافت بين الأصالة والابتكار، وكأن المغرب يقدّم نفسه للقارة والعالم بلغة يعرفها جيدا : لغة التوازن بين التاريخ والمستقبل .
إفريقيا كانت حاضرة في قلب المشهد ، لا كخلفية رمزية ، بل كجوهر أساسي للعرض .
الموسيقى، الحركات، والرموز حملت دلالات قارية واضحة ، عكست وحدة الوجدان الإفريقي في تنوّعه ، وجعلت من حفل الافتتاح عملا فنّيا جامعًا، تتحوّل فيه الذاكرة الجماعية إلى مشهد حي ، وتصبح كرة القدم لغة تتجاوز الحدود والجغرافيا والاختلافات.
حضور ولي العهد لم يكن مجرّد تمثيل بروتوكولي، بل إشرافا فعليا على حدث قاري يختبر جاهزية الدول ، ويقيس قدرتها على التنظيم، ويصنّف مكانتها في أعين القارة والعالم.
في كل تفصيل، من دقّة الإخراج إلى صرامة التنظيم ، بدت ملامح دولة استعدّت للموعد بثقة ورؤية ، وحوّلت التنظيم إلى فعل سيادي، والاحتفال إلى تعبير حضاري مكتمل.
في شهادة دولية لافتة، أشاد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، بالمغرب واصفًا إياه بـ ” بلد الكرة والشغف والسلام ” ، في توصيف يختصر المسار الذي بات يحتله المغرب في خارطة كرة القدم العالمية .
كما عبّر عن امتنانه للعاهل المغربي الملك محمد السادس، تقديرا لدعمه المستمر لكرة القدم المغربية والإفريقية، معتبرا أن هذه النسخة مرشّحة لأن تكون الأعظم في تاريخ كأس أمم إفريقيا ، قبل أن يختم كلمته بشعار ” ديما مغرب ” ، الذي ردّدته المدرجات بحماس لافت.
هكذا، لم يفتتح المغرب كأس أمم إفريقيا بإطلاق صافرة البداية فحسب ، بل دشّن لحظة إفريقية جامعة ، قدّم فيها نموذج دولة تعرف كيف تحوّل الرياضة إلى دبلوماسية ناعمة ، والملعب إلى فضاء للهوية ، والحدث الرياضي إلى رسالة سلام وانتماء ، تليق بتاريخ إفريقيا وتطلّعات شعوبها .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية