تونس 26°C

11 أفريل 2026

تونس 38°C

11 أفريل 2026

إيران تحت العقوبات : صمود مُكلف وحدود قوة تتآكل .

بقلم : أ – حذامي محجوب ( رئيس التحرير).

لم يكن الحصار الاقتصادي المفروض على إيران مجرد ضغط عابر ، بل تحوّل على مدى سنوات إلى اختبار وجودي لمدى قدرة دولة على التكيّف تحت القيود .
فمنذ تصاعد العقوبات، ولا سيما بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي سنة 2018، دخلت طهران مرحلة من الانكماش الاقتصادي الحاد : تراجع في صادرات النفط ، تضييق على التحويلات المالية ، وانكفاء قسري عن النظام المالي العالمي .
غير أن ما يُروَّج له أحيانًا بوصفه “صمودًا ” يخفي حقيقة أكثر إيلاما : نظام استطاع البقاء، لكنه فعل ذلك عبر استنزاف مجتمعه .
في صلب هذا المسار ، برزت سياسة ما سُمّي بـ“ الاقتصاد المقاوم ”، التي لم تُفضِ إلى نهضة إنتاجية بقدر ما كرّست واقع التقشّف.
فبدل أن تكون خيارًا سياديًا محسوبًا ، تحوّلت إلى استجابة اضطرارية انعكست في تدهور القدرة الشرائية ، وارتفاع كلفة المعيشة ، وتآكل الطبقة الوسطى .
لم يكن المواطن الإيراني شريكًا في هذا “ الصمود ”، بل كان هو كلفته اليومية، في الغذاء والدواء وفرص العمل .
بالتوازي ، نسجت طهران شبكة معقّدة من القنوات المالية والتجارية للالتفاف على العقوبات ، من بيع النفط بطرق غير مباشرة إلى الاعتماد على وسطاء وشركات واجهة .
ومع الوقت ، لم تعد هذه الآليات مجرد حلول ظرفية ، بل تحوّلت إلى اقتصاد ظلّ يفتقر إلى الشفافية ، وتستفيد منه دوائر ضيقة مرتبطة بمراكز النفوذ .
وهنا يتعمّق الخلل : ثروات تتراكم لدى قلة، مقابل اتساع رقعة الفقر والهشاشة .
كما شهد الاقتصاد غير الرسمي تمددًا لافتًا ، لكن هذا الاتساع لم يكن دليل حيوية ، بل علامة اختلال .
فعندما يصبح التهريب والتجارة الموازية جزءًا من البنية الاقتصادية ، فإن الدولة تتراجع كمنظّم للسوق ، وتبقى حاضرة أساسًا كسلطة جباية وضبط . هذا النمط لا يؤسس لاستقرار اقتصادي، بل يؤجّل الانفجار .
غير أن المفارقة الأشد قسوة تكمن في توجيه الموارد . ففي الوقت الذي يعاني فيه الداخل من ضغوط معيشية خانقة ، اختارت طهران تخصيص جزء معتبر من إمكانياتها لتمويل نفوذها الإقليمي عبر دعم جماعات مسلحة وتوسيع حضورها خارج حدودها .
هذا الخيار لم يكن بلا ثمن ، إذ جاء على حساب الاستثمار في الداخل ، وعلى حساب الخدمات الأساسية والرفاه الاجتماعي .
وهكذا وجد الإيراني نفسه محاصرًا بين ضغط العقوبات من جهة ، وكلفة السياسات الخارجية من جهة أخرى ، وهو ما غذّى موجات احتجاج متكررة رغم القبضة الأمنية .
و رغم هذا الانسداد، لم يكن تكيّف الاقتصاد الإيراني نتاجًا داخليًا خالصًا .
فقد استفاد، بدرجات متفاوتة ، من هوامش حركة أتاحتها بعض دول الجوار، خاصة في الخليج، حيث تداخلت اعتبارات الوساطة والحياد مع المصالح الاقتصادية.
ففي سلطنة عُمان ، استمرت قنوات التواصل السياسي والتجاري، ولعبت الموانئ دورًا في إعادة التصدير ، إلى جانب دور الوساطة في أوقات التوتر .
أما قطر، فقد عزّزت علاقاتها الاقتصادية مع إيران خصوصًا بعد أزمة 2017، سواء في ملف الغاز أو عبر تسهيلات لوجستية وتجارية .
وفي الإمارات، برز نموذج أكثر تعقيدًا، حيث أتاح انفتاح الاقتصاد ، خاصة في دبي ، استمرار قنوات تجارة غير مباشرة، في إطار شبكات عابرة للحدود لا تحكمها بالضرورة اعتبارات سياسية صِرفة.
كما لا يمكن إغفال البعد الإنساني، إذ يعيش آلاف الإيرانيين في دول الخليج، حيث وجدوا فرص عمل واستقرارًا نسبيًا ضمن بيئات اقتصادية أكثر انفتاحًا ، وأسهموا في قطاعات حيوية، ما شكّل متنفسًا معيشيًا خارج حدود بلدهم .
لكن هذه الهوامش، على أهميتها، لم تقابلها دائمًا سياسات إيرانية منسجمة مع منطق التهدئة .
فقد ظلت علاقات طهران بمحيطها تتأرجح بين الانفتاح والتصعيد ، في مفارقة لافتة : الاستفادة من منافذ اقتصادية وجغرافية يوفرها الجوار ، مقابل استمرار نهج إقليمي قائم على التدخل والصراع .
وقد بلغ هذا التوتر ذروته في استهداف منشآت ومواقع في دول الجوار عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما عمّق العزلة الإقليمية وزاد من منسوب القلق والاحتقان.
في المحصلة، لا يبدو “الصمود” الإيراني سوى معادلة غير متوازنة : قدرة على البقاء، لكنها مشروطة باستنزاف الداخل وتوسيع الفجوة مع الخارج .
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح : إلى أي مدى يمكن لهذا النموذج أن يستمر؟ وهل ما تزال إيران تمتلك أدوات قوة قابلة للاستدامة، أم أن ما تبقّى ليس إلا قوة تتآكل ببطء، فيما تتراكم كلفة الخيارات المؤجلة .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية