بقلم أبوبكر الصغير.
رغم ما يبدو للبعض ظاهريا ، من تناقض مذهبي بين النظام الإيراني القائم على ولاية الفقيه والتنظيم الدولي للإخوان المسلمين الذي يقدّم نفسه ممثلا للإسلام السُّني الحركي ، فإنّ العلاقة بين الطرفين لم تكن يوما علاقة صدام مبدئي ، بل علاقة تقاطع عميق في الجوهر العقائدي وفي المشروع السياسي القائم على فكرة “ الانفراد و احتكار الحقيقة المطلقة ” ، واعتبار الدين إطارا شاملا للحكم والشرعية .
هذه العلاقة ليست تفصيلا ، بل هي خيط ممتد يربط بين طموحات الثورة الإيرانية منذ سنة 1979 وطموحات الحركة الإخوانية في تأسيسها الاول .
منذ ستينيات القرن الماضي، برز علي خامنئي كأحد أهم الجسور الأيديولوجية بين الفكر القطبي ( سيد قطب ) والمشهد الديني ، السياسي الإيراني. ففي عام 1966 ترجم خامنئي كتاب سيد قطب “ المستقبل لهذا الدين ” إلى الفارسية ، وكتب له مقدمة تشيد بصاحبه باعتباره “ العالم المفكر المجاهد ” وبأنه من أثبت : “ أن المستقبل لهذا الدين”، في إشارة مباشرة إلى مشروع الدولة المؤدلجة القائمة على قاعدة “ المهمة الرسالية ”.
تؤكد مصادر أكاديمية أن خامنئي ترجم ما لا يقل عن خمسة كتب لسيد قطب ، ما جعل من أدبيات الاخوان إحدى روافد الوعي العقائدي الأهم في إيران ما قبل الثورة.
حين أصبح خامنئي مرشدًا أعلى ، لم تبق العلاقة في حدود التأثر الفكري ، بل تمّ إدراج أفكار سيد قطب في المناهج العقائدية للحرس الثوري الإيراني ، تحت إشرافه المباشر ، بما يعكس التقاء جوهريا بين روح المشروعين : الإيمان بالثورة الإسلامية كحركة صدام مع العالم ، والإيمان بحتمية التغيير الشامل عبر “ النخبة المؤمنة ” و” الطليعة الرسالية ”.
هذا التداخل لا يقتصر على الجانب الفكري بل يمتد إلى الشخصيات التي شكّلت الرابط التاريخي بين المشروعين ، مثل مؤسس جماعة “ فدائيان إسلام ”، نواب صفوي ، الذي كان التقى حسن البنا و سيد قطب شخصيا ، وكان فعليا حلقة الوصل بين الإخوان والتيارات الراديكالية الإيرانية التي مهّدت لقيام الثورة .
بعد انتصار الثورة الإيرانية، لم يُخفِ رموز الإخوان إعجابهم بالإنجاز الإيراني . فقد قال رئيس حركة ” النهضة ” راشد الغنوشي إن نجاح الثورة “ يفتح دورة حضارية جديدة ” ويثبت أن الإسلام “ نظام حكم ” أكثر منه عقيدة روحية ، وهو موقف يعكس التقاطع البنيوي بين مشروع “ الحاكمية ” لدى قطب، ومشروع “ولاية الفقيه” لدى إيران.
كما انّ جريدة ” المجتمع ” التونسية التي كانت تصدرها حركة الاتجاه الإسلامي و شحت غلاف احد اعدادها بصورة ضخمة لآية الله الخميني معظّمة نجاح الثورة الإيرانية .
بل إن وفودا إخوانية عرضت على الخميني فكرة إعلان “ الخلافة الإسلامية ” وأن يكون هو خليفة المسلمين في الارض ، معتبرة أن الخلاف بين السنة والشيعة حول الإمامة مسألة سياسية ظرفية وليست عقائدية .
مجلة “ المجتمع ” الكويتية التابعة لجماعة الإصلاح الاجتماعي و هو فرع من فروع الاخوان نشرت بيانا يدعو إلى يوم تضامن عالمي مع الثورة الإيرانية وإقامة صلاة الغائب على شهدائها.
في الجانب الاخر ، إيران من جهتها كانت بحاجة إلى أذرع سنية تساعدها على اختراق المجال العربي وتوسيع نفوذها خارج الإطار المذهبي ، ولم تجد أكبر وأقوى من التنظيم الدولي للإخوان لتقيم معه “تحالف الضرورة” و هو تحوّل هيكلي عميق ، تجسد بشكل صارخ في حالة حركة حماس ، الذراع الفلسطينية للجماعة، التي تلقت دعمًا عسكريًا وماليًا وسياسيًا ضخمًا من إيران لسنوات طويلة: تدريبا، أسلحة متطورة، تمويلا، وقنوات سياسية مفتوحة في كل المحافل.
وفي 18 جوان 2025، جاءت إحدى أبرز الشهادات الموثقة على متانة العلاقة : رسالة رسمية بعثها صلاح عبد الحق ، القائم بأعمال المرشد العام للإخوان، إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، يعلن فيها “التضامن الكامل” مع الجمهورية الإسلامية ضد “العدوان الإسرائيلي الغاشم”.
الرسالة أوضحت صراحة أن “عدونا واحد هو الكيان الصهيوني”، ودعت إلى “وحدة دينية وروحية وجيو – سياسية ”، وأكدت أن “النار الإسرائيلية لا تميز بين أعراقنا أو مذاهبنا ”. كانت الرسالة إعلانا واضحا بأن التنظيم الدولي يرى إيران شريكًا استراتيجيًا يتجاوز الخلافات المذهبية، وأن المشروعين يلتقيان في رؤية واحدة للعالم وللمنطقة .
إن العلاقة العضوية بين إيران والإخوان لم تكن يومًا ظرفية أو عابرة، بل هي علاقة تقوم على تلاقي منهجي : رؤية تعتبر الدين أساسًا للحكم، وتضع “ الوحدة الرسالية ” فوق قيم الدولة الوطنية ، وتنظر إلى العالم من زاوية “ الصراع الوجودي ” مع الغرب، ومع كل من يخالفها في فهمها للدين أو لمفهوم السلطة.
إن هذه المسارات كلها تقود إلى حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها ، ان الأنظمة الدينية العقائدية سواء حملت عنوان ولاية الفقيه او الحاكمية او الخلافة ، هي بطبيعتها انظمة كليانية لا تنسجم مع حقوق المواطنة او قيم الحرية ، لانها تقوم على الغاء الفرد لصالح العقيدة ، و احتكار الحقيقة باسم الدين !!.

