تونس 20°C

11 فيفري 2026

تونس 38°C

11 فيفري 2026

فنزويلا واختبار القوة في زمن تحوّل النظام الدولي .

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

لم تكن التطورات التي شهدتها فنزويلا مجرّد حادث أمني عابر، ولا يمكن اختزالها في إطار تطبيق صارم للقانون تحت لافتة مكافحة الاتجار بالمخدرات ، بل جاءت تعبيرا صارخا عن لحظة دقيقة يمرّ بها النظام الدولي ، لحظة تختلط فيها السياسة بالقوة ، وتُعاد فيها صياغة مفاهيم السيادة والشرعية وفق موازين النفوذ ، لا وفق قواعد القانون الدولي .
على مدى سنوات، وُضعت فنزويلا تحت ضغط متواصل بدأ بعقوبات اقتصادية خانقة ، وتضييق مالي ممنهج ، وحصار فعلي لقطاعها النفطي ، ما أدى إلى إنهاك الدولة واستنزاف المجتمع معا. غير أن هذا المسار لم يكن منفصلا عن السياق الدولي الأوسع ، بل ارتبط مباشرة بموقع فنزويلا في معادلة الطاقة العالمية ، وباختياراتها الاقتصادية التي أخذت تبتعد تدريجيا عن المنظومة التقليدية التي تحكم سوق النفط والتبادلات المالية الدولية.
تكمن حساسية الحالة الفنزويلية في كونها دولة نفطية كبرى ، وفي أن النفط لا يزال أحد الأعمدة الصلبة للقوة في العلاقات الدولية .
فمنذ ربط الطاقة بالدولار، تحوّلت العملة الأمريكية إلى أداة مركزية للهيمنة الاقتصادية ، وأصبح أي خروج عن هذا الإطار تحديا استراتيجيا يُنظر إليه باعتباره تهديدا مباشرا للنظام القائم .
وفي هذا السياق، لم تكن الضغوط المفروضة على كاراكاس سوى محاولة لإعادة ضبط المسار، ومنع تحوّل التجربة الفنزويلية إلى سابقة قابلة للتكرار.
كما تكشف هذه التطورات عن تحوّل العقوبات من وسيلة ضغط سياسية ظرفية إلى سلاح بنيوي في إدارة الصراع الدولي .
فالعقاب الاقتصادي لم يعد يهدف فقط إلى تعديل سلوك دولة بعينها، بل إلى إقصائها من النظام العالمي ذاته، وتجفيف مواردها، ودفعها إلى الانهيار من الداخل. غير أن الإفراط في توظيف هذا السلاح أسهم، على نحو مفارق، في تسريع البحث عن بدائل، وفتح نقاشا دوليا متصاعدا حول مستقبل الدولار، وحدود استخدامه كأداة سياسية.
في هذا الإطار، تجاوزت فنزويلا كونها دولة تعاني أزمة داخلية ، لتتحوّل إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين تصورين للعالم : تصور يسعى إلى الحفاظ على نظام أحادي القطب ، وآخر يتلمّس طريقه نحو تعددية قطبية لم تستقر قواعدها بعد .
وبين هذين المسارين، تتآكل المرجعيات القانونية الدولية، وتضعف المؤسسات التي أُنشئت لضبط النزاعات، حين يعجز القانون عن كبح إرادة القوة.
والرسالة التي حملتها التطورات الفنزويلية لم تكن موجهة إلى الداخل الفنزويلي فحسب ، بل إلى كل الدول التي تفكّر في إعادة تعريف موقعها داخل الاقتصاد العالمي .
فحواها أن كلفة الخروج عن المنظومة القائمة لا تزال مرتفعة ، وأن الصراع حول إعادة تشكيل النظام الدولي لم يبلغ بعد مرحلة التوافق ، بل ما يزال يُدار بمنطق الردع والضغط والتجريب.
في المحصلة، تكشف فنزويلا عن عالم يعيش مرحلة انتقالية مضطربة ، تتقدّم فيها الوقائع على القواعد ، وتسبق القوةُ القانونَ، وتُختبر حدود الهيمنة في أكثر ساحاتها حساسية : الطاقة والمال.
وما جرى هناك ليس نهاية مسار، بل إشارة واضحة إلى احتدام صراع طويل حول من يملك حق رسم ملامح النظام الدولي المقبل.

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية