بقلم – ابوبكر الصغير
انّ العقلانية تقتضي أن ننظر إلى المشهد كما هو لا كما نرغب أن يكون .
في زمن تتسابق فيه الأمم إلى استعراض القوّة، قد تكون أعظم قوّة هي أن نظلّ ممسكين بعقلانيتنا ، بثباتنا ، وبقدرتنا على إدارة سياستنا الخارجية كأداة لحماية مصالح شعبنا، لا كمنصّة لصرف غضبنا او الاستجابة لانفعالات ، ولا لتسجيل النقاط في ملاعب الداخل بما يرضي الجمهور !.
من قد يظنّ أن السياسة الخارجية مجرّد بيانات حماسية تُكتب تحت ضغط الظرف او اللحظة ، لا يفهم أنّ الدبلوماسية فن و علم و مصالح قبل أن تكون شعارات و خطب و كلمات وصراخ.
هذه هي الدبلوماسية حين تُمارس بعقل الدولة لا بشهوة الهتافات ، و ضجيج الشارع ، و ببوصلة الشعوب و حاجاتها لا بمنطق الغنيمة .
اليوم، في تونس، كنّا ننتظر من القوى السياسية ( احزاب و منظمات ) أن ترتفع إلى مستوى اللحظة، فإذا بها ، إلا استثناءين لم يعلنا موقفيهما بعد ( الحزب الدستوري و حركة النهضة ) ، تغلب حساباتها الصغيرة على مصلحة الوطن ، وتطلق مواقف غير عقلانية، فقط لترضي جمهورا لا تملكه يبحث عن بطولات لفظية لا علاقة لها بمصلحة الدولة ولا بإدارة أزماتها .
ما رأيناه من مواقف يعيدنا إلى الأذهان سقوط أسماء فكرية كبرى مثل هشام جعيط والطيب البكوش وغيرهما ، في فخّ الشعبوية العاطفية خلال سياق حرب الخليج الثانية سنة 1991، يوم اختلط الوعي بالأمنيات ، والمنطق بالهتاف.
هذه اللحظة تعيد أيضا ذلك الخلط الخطير بين موقف مناهض للإمبريالية و” دعم الأنظمة التوتاليرية الاستبدادية ”، وكأنّ الوقوف ضد الهيمنة يبرّر الوقوف مع نظام عقائدي دمّر دولا ومجتمعات وشعوبا .
لنعلنها صراحة، وإن أغضب ذلك البعض : ماذا جنت امتنا من هذه ثورة ” آيات الله ” ؟!.
ماذا جنى الشعب الإيراني نفسه اولا قبل غيره ؟.
نصف قرن من الخراب ، ثماني سنوات حرب مدمرة ضد العراق ، وحروب أخرى بالوكالة من اليمن إلى سوريا إلى لبنان إلى العراق.
أربع عواصم عربية سقطت تحت نفوذ طهران، وخراب تمدّد إلى أقصى إفريقيا وأمريكا اللاتينية والشرق الآسيوي.
ثورة التهمت أبناءها : باقر الصدر، قطب زادة، وقيادات احزاب من بينها حزب “تودة” الشيوعي الخ ..
ثورة دمّرت أقليات وشعوبا ، انظروا إلى عربستان مثالا لا استثناءً.
ثورة لم تترك بلدا عربيا إلا مدّت نفوذها فيه عبر نشر المذاهب، وشراء الولاءات، وبناء جيوش و حشود شعبية موازية للدولة .
عندما زرتُ قبل سنوات إيران ، للمشاركة في ندوة مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية رأيت ما يوجب التوقّف عنده .
أولا : دهشت لتعلّق الإيرانيين بتونس، لأنّ أوّل دولة شيعية في التاريخ قامت بها على أرض المهديّة .أ
ثانيا : على المستوى الشخصي ، حين أذكر اسمي “ أبو بكر”، أشعر بتغيّر في الوجوه… إذ يحمل كثير منهم إرثا من الخصومة التاريخية مع الخلفاء الراشدين والصحابة وأمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو ما يكشف عُمق الشرخ العقائدي الذي يغذّي بنية الحكم هناك .
لكن رغم كل شيء، يجب أن نقول الحقيقة كاملة : الشعب الإيراني شعب مسلم شقيق ، شعب عظيم ، خلوق ، مبدع ، عاشق للعلم و المعرفة ، صاحب حضارة تمتد الاف السنين ، قدم الكثير لامتنا .
شعب لا يستحقّ أن يُدار بهذه الطريقة ، و ان يجد هذا المصير ، ولا أن يعيش في ظلّ “ولاية فقيه” دمغت حياته بالخوف والرقابة والحديد والدم .

