تونس 13°C

13 جانفي 2026

تونس 38°C

13 جانفي 2026

الرباط في قلب واشنطن : حين يتحوّل التاريخ إلى قوة استراتيجية .

بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .

في السابع من يناير 2026، لم تكن قاعة Kennedy Caucus Room داخل الكونغرس الأمريكي مجرّد فضاء بروتوكولي لاحتفال رمزي ، بل تحوّلت إلى مسرح سياسي رفيع المستوى ، جسّد عمق الحضور المغربي داخل دوائر القرار في واشنطن .
هناك، التقت السياسة بالتاريخ ، وحضر نحو مئتي شخصية وازنة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، إلى جانب كبار القادة العسكريين ، ودبلوماسيين مخضرمين ، ورجال أعمال ، وشخصيات ثقافية وفنية ، في حدث استثنائي نقلته مجلة ” جون أفريك ” بوصفه علامة فارقة في مسار العلاقات المغربية – الأمريكية.
اللقاء جاء إحياءً للذكرى الـ250 للتحالف التاريخي بين المغرب والولايات المتحدة ، ذلك التحالف الذي تعود جذوره إلى عام 1777، حين بادر السلطان محمد الثالث بالاعتراف بسيادة الولايات المتحدة الناشئة ، قبل أي اعتراف أوروبي باستقلالها .
لم يكن ذلك الاعتراف فعل مجاملة عابر، بل تأسيسا لأطول معاهدة صداقة مستمرة في التاريخ الأمريكي ، وُقّعت رسميًا عام 1786، ولا تزال صامدة أمام تقلبات الزمن والتحولات الدولية .
غير أن رمزية الماضي ، على أهميتها، لم تكن جوهر هذا اللقاء ، بل ما يحمله من رسائل استراتيجية تتجاوز الذاكرة نحو المستقبل.
السفير المغربي في واشنطن ، يوسف العمراني ، لخّص جوهر هذه العلاقة حين أكد أنها لم تُبْنَ على المصادفة ، بل على الثقة والوضوح والاختيارات السيادية الواعية .
علاقة لم تهزّها التحولات الجيوسياسية ، وظلّت قائمة على الولاء المتبادل والاحترام العميق للمصالح المشتركة .
هذا الثبات ، كما شدد العمراني ، أتاح اليوم بلوغ مستويات متقدمة من التنسيق في القضايا الاستراتيجية الكبرى ، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية ، التي اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب عليها ، ما جعلها محورا مركزيا في مقاربة واشنطن لشمال إفريقيا والساحل.
الموقف الأمريكي جاء منسجما وواضحا، إذ شدد مسؤولون ونواب من الحزبين على أن دعم المغرب ليس وليد الظرف ، بل امتداد لتحالف تاريخي أثبت صلابته منذ نشأة الدولة الأمريكية. وأكدوا أن الشراكة المغربية – الأمريكية لم تعد محصورة في بعدها الرمزي ، بل باتت تشمل تعاونا دبلوماسيا وعسكريا وأمنيا واقتصاديا متقدما، في زمن تتزايد فيه هشاشة التوازنات الدولية.
خلف العبارات الدبلوماسية المنمقة ، برزت حقيقة أكثر وضوحا : العلاقة بين الرباط وواشنطن تحوّلت إلى أداة استراتيجية متكاملة .
يتجلى ذلك بجلاء في طريقة تعاطي الولايات المتحدة مع ملف الصحراء ، حيث أكدت الإدارة الأمريكية ، عبر دعمها لقرار مجلس الأمن رقم 2797، أن خيار الحكم الذاتي هو الحل الواقعي والعملي الوحيد ، مقابل تراجع واضح لسيناريو الاستفتاء الذي استنفد أغراضه السياسية . كما دعا دبلوماسيون أمريكيون إلى تسريع المفاوضات المقبلة وإدارتها بنهج أكثر مباشرة وفعالية ، بعيدا عن حالة الجمود الأممي المزمنة.
هذه المؤشرات تؤكد أن قضية الصحراء المغربية لم تعد ملفا إقليميا هامشيا ، بل غدت عنصرا استراتيجيا ضمن رؤية أمريكية أوسع للأمن والاستقرار ، تشمل أمن الساحل ، وحماية الممرات اللوجستية الحيوية ، وإعادة ضبط التوازنات الإقليمية.
وبهذا المعنى، أصبح الملف الصحراوي نقطة ارتكاز للتنسيق السياسي المباشر بين الرباط و واشنطن، بما يعكس الوزن المتزايد للدبلوماسية المغربية في معادلات القرار الدولي .
في هذا السياق، تتحرك الدبلوماسية المغربية بثقة محسوبة ، مدعومة بتحالف عسكري منظم ، واتفاقية تجارة حرة فريدة من نوعها في القارة الإفريقية ، ونشاط ضغط دبلوماسي متماسك داخل واشنطن ، يقوده سفير متمرّس يعرف جيدا مفاتيح العاصمة الفيدرالية وشبكات تأثيرها .
عناصر قوة مكّنت المغرب من تحويل رصيده التاريخي إلى نفوذ سياسي فعّال، ومن الدفاع عن مصالحه الاستراتيجية بلغة المصالح لا الشعارات.
هكذا، لم تكن ليلة السابع من يناير مجرد احتفال بذكرى عابرة ، بل إعلانا صريحًا عن قدرة المغرب على تحويل التاريخ إلى استراتيجية ، وعلى جعل أروقة الكونغرس، أكثر من أي منبر أممي آخر، ساحة مركزية لصياغة القرارات المتعلقة بملفات سيادية حساسة. وهو ما يؤكد أن الدبلوماسية المغربية بلغت درجة من النضج و البراغماتية تتيح لها إدارة التوازنات الدولية بذكاء ، وتحقيق مكاسب ملموسة في عالم لا يعترف إلا بالقوة والوضوح .

اقرأ أيضاً

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قبل أن تذهب

اشترك في نشرتنا الإخبارية وكن على اطلاع دائم بالأحداث العالمية