بقلم : ا- حذامي محجوب ( رئيس التحرير ) .
لم تعد أوروبا مهدَّدة فقط من خصومها التقليديين، بل بات الخطر يأتيها أيضًا من حيث اعتادت أن ترى الحماية. فالقارة اليوم محاصَرة بثلاث قوى كبرى: روسيا، الصين، والولايات المتحدة. وإذا كانت موسكو وبكين تُصنَّفان ضمن خانة المنافسة والصراع، فإن واشنطن تمثل المفارقة الأخطر: حليف تاريخي يتصرف بمنطق المفترس حين تتطلب مصالحه ذلك.
ما جرى في فنزويلا ليس حادثًا معزولًا ولا مجرد أزمة بعيدة جغرافيًا. إنه نموذج لكيفية تعامل الولايات المتحدة مع العالم حين تُغَلِّب منطق القوة على القانون الدولي. والأخطر أن هذا المنطق لا يستثني أوروبا نفسها. فلو قررت واشنطن، باسم أمنها القومي، فرض سيطرتها على غرينلاند ،فلن تمتلك كوبنهاغن ولا الاتحاد الأوروبي أدوات حقيقية لردع هذا السيناريو. غرينلاند ليست تفصيلًا جغرافيًا، بل مرآة كاشفة لعجز أوروبي صارخ.
روسيا تمارس ضغطها عبر حرب هجينة، تتداخل فيها القوة العسكرية المباشرة مع التخريب والتضليل، كما في أوكرانيا. أما الصين، فتتقدم بأسلوب أكثر نعومة، مستخدمة خطاب الشراكة والربح المتبادل، بينما تعمل عمليًا على تقسيم الأوروبيين، وإغراق أسواقهم، والاستحواذ على شركات استراتيجية. وفي هذا المشهد، تبرز الولايات المتحدة كقوة ثالثة توظف اعتماد أوروبا الأمني والتكنولوجي والمالي لفرض إرادتها دون حاجة إلى مواجهة مباشرة.
المشكلة أن أوروبا، التي بنت مشروعها على تجاوز منطق القوة لصالح القانون، اكتشفت متأخرة أنها نزعت عن نفسها أدوات الحماية. اعتمادها شبه الكامل على الولايات المتحدة في الدفاع، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي، وحتى أنظمة الدفع، جعل سيادتها رهينة قرار خارجي. تجربة قضاة دوليين عوقبوا أمريكيًا ومنعوا من استخدام بطاقات الائتمان ليست سوى إنذار مبكر لما يمكن أن تتعرض له دول بأكملها.
هذا الضعف البنيوي يفسر خجل المواقف الأوروبية، بل وتبرير انتهاك القانون الدولي بذريعة “الواقعية السياسية”. الخوف من إغضاب واشنطن، خصوصًا في ظل الحرب الأوكرانية، يتقدم على أي نقاش جدي حول الاستقلال الاستراتيجي. غير أن أوروبا التي تساوم اليوم على مبادئها، قد تجد نفسها غدًا عاجزة عن الدفاع عن وجودها السياسي.
الأكثر خطورة هو الوهم الذي تبيعه التيارات القومية الأوروبية، حين توهم شعوبها بأن الانكفاء الوطني هو طريق السيادة. الحقيقة أن أي دولة أوروبية منفردة، بما فيها القوى الكبرى، لا تملك القدرة على مواجهة ضغط قوة عظمى. تفكيك الاتحاد لن يؤدي إلى استقلال أوروبا، بل إلى جعلها فريسة أسهل.
غرينلاند، فنزويلا، أوكرانيا… ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في منطق عالمي جديد يعيد تعريف العلاقات الدولية بلغة القوة لا القانون. وأوروبا اليوم أمام اختبار وجودي: إما أن تتحول إلى قوة سياسية حقيقية، أو أن تبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.
القانون من دون قوة ليس سوى شعار جميل. والسؤال لم يعد أخلاقيًا، بل مصيريًا.



